السيد الطباطبائي

343

تفسير الميزان

قوله تعالى : ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ) إلى آخر الآية ، الاضلال مقابل الهداية ، ولذا كان أثره مقابلا لاثرها وهو التضييق المقابل للشرح والتوسعة وأثره أن لا يسع ما يتوجه إليه من الحق ، والصدق ، يتحرج عن دخولهما فيه ، ولذا أردف كون الصدر ضيقا بكونه حرجا . والحرج على ما في المجمع أضيق الضيق ، وقال في المفردات : أصل الحرج والحراج مجتمع الشئ وتصور منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج وللإثم حرج . انتهى . فقوله : ( حرجا كأنما يصعد في السماء ) في محل التفسير لقوله : ( ضيقا ) وإشارة إلى أن ذلك نوع من الضيق يناظر بوجه التضيق والتحرج الذي يشاهد من الظروف والأوعية إذا أريد إدخال ما هو أعظم منها ووضعه فيها . وقوله : ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) إعطاء ضابط كلى في إضلال الذين لا يؤمنون إنهم يفقدون حال التسليم لله والانقياد للحق ، وقد أطلق عدم الايمان وإن كان مورد الآيات عدم الايمان بالله سبحانه وهو الشرك به لكن الذي سبق من البيان في الآية يشمل عدم الايمان بالله وهو الشرك ، وعدم الايمان بآيات الله وهو رد بعض ما أنزله الله من المعارف والاحكام فقد دل على ذلك كله بقوله : ( يشرح صدره للاسلام ) الخ ، وبقوله سابقا : ( وجعلنا له نورا يمشى به ) إلخ ، وقوله : ( يجعل صدره ضيقا حرجا ) إلخ ، وبقوله سابقا : ( في الظلمات ليس بخارج منها ) . وقد سمى في الآية الضلال الذي يساوق عدم الايمان رجسا والرجس هو القذر غير إنه اعتبر فيه نوعا من الاستعلاء الدال عليه قوله : ( على الذين لا يؤمنون ) كأن الرجس يعلوهم ويحيط بهم فيحول بينهم وبين غيرهم فيتنفر منهم الطباع كما يتنفر من الغذاء الملطخ بالقذر . وقد استدل بالآية على أن الهدى والضلال من الله لا صنع فيهما لغيره تعالى وهو خطأ فإن الآية - كما عرفت - في مقام بيان حقيقة الهدى والضلال اللذين من الله ونوع تعريف لهما وتحديد لا في مقام بيان انحصارهما فيه وانتفائهما عن غيره كما هو المدعى وهو ظاهر . ونظير ذلك ما ذكره بعضهم : أن الآية كما تدل بلفظها على قولنا : إن الهداية